ملاحظة: ناديا حسن امرأة فلسطينية تحمل جواز سفر شيلاني. مدافعة عن حقوق الإنسان و مترجمة.
"خطيئتها" الوحيدة هي أنها تريد أن تطأ الأرض التي ولد فيها آبائها وأجدادها, الأرض التي تشكل جزأً من كيانها. بسبب هذه "الخطيئة"، ونتيجة للعنصرية التي تكنها الصهيونية ضد الفلسطينيين العرب، وللخوف الذي يشعر به الصهاينة في مواجهتهم حقيقة أن هذه الأرض التي أتوا ليستعمروها هي الأرض ذاتها يتوق الغير لها والتي كانوا مرتبطين بها لأجيال وأجيال تعود إلى زمن سحيق في القدم، إنها تدفع الثمن... الحق سيعود لأهله يوماً ما مهما طال الزمن وكثرت التضحيات...
أصدقائي الأعزاء،
البعض منكم لا يعلم بأني كنت أود أن أدخل إلى فلسطين مرة أخرى، فقد استلمت رسالة من وزارة الخارجية "الإسرائيلية" تعلمني بأن منعي من الدخول إلى "إسرائيل" لم يعد ساري المفعول. سررت جداً بهذا النبأ، أغلقت بيتي في عمان صباح أمس وركبت الطائرة المتوجهة إلى تل أبيب. ولكني الآن أعود لأكتب لكم هذه الرسالة من عمان، لقد أبعدت من أرض وطني من جديد.
تحياتي
ناديا حسن
أولاً أريد أن اشكر كل منكم لكلمات التأييد والعطف والدعم غير المحدود الذي قدمتموه لي.
ما حدث لي أمس شيء لم يخطر ببالي أني سأعاني في أي يوم أو أي مكان، ليس لأني لم أفكر بأنه بالإمكان أن أمنع من الدخول مرة أخرى، ولكن بالطريقة التي قاموا بذلك.
حطت الطائرة بنا في السابعة صباحا، قدمت جواز سفري الشيلاني إلى موظف الجوازات وبعد أقل من دقيقتين، تقدم نحوي ثلاثة رجال وقالوا لي لقد كنا بانتظارك. اقتادوني إلى غرفة واسعة مع كل حاجياتي. حوالي 20 شخصاً بدئوا بتفتيش كل ما كان معي. بدئوا بهاتفي النقال ودونوا أمامي كل من الأرقام والأسماء المحفوظة فيه، وتفحصوا الرسائل المدونة فيه، آخر المخابرات التي قمت بها واستلمتها، الصور في آلة التصوير, كل شيء.
وبعد ذلك تفحصوني، جسدي، ثيابي، أذناي، وحتى أظافري.
تقدم أحدهم مني وعرف نفسه على أنه "سامي" (لم أعد أذكر أسمه الثاني). قال أنا سامي من وزارة الدفاع. لقد مر علي عدة أيام وأنا بانتظار وصولك. سأشتغل بك اليوم، سنضع كل شيء على الطاولة، سيكون ذلك صعب لأنك لست لطيفة، أنا قوي، ولهذا السبب اختاروني لك، أنك إنسانة مميزة يا ناديا، وستنالين أفضل نظام أمني في حوزتنا ، إذا تعاونت معنا سنساعدك.
اقتادني سامي إلى غرفة بعيدة جداً عن مركز المطار. كان في المكتب شعار وزارة الدفاع، كانت معنا كل الوقت امرأة (وحسب ما قال لي إنها برفقتنا كي لا أشعر بحرج.
وقال: أنا أعرف أن البنات العربيات لا يردن أن يكونوا لوحدهم مع رجال، إننا نحترمك، أخذ لي بضعة صور وفتح ملفاً لي في الكومبيوتر خاصته. سألني عن عائلتي، أرقام هواتفي، المهن التي أمارسها، عدد الأبناء، العناوين، كل شيء. أخذ صور لبطاقة الإتمان خاصتي، وقال لي بأنه يريد أن يتفحص العمليات التي قمت بها بواسطتها، أخذ صورة عن بطاقة هويتي، رخصة السواقة، صور عائلتي التي كانت بحوزتي وكتب اسم كل من أفرادها... الخ
وبعد كل ذلك قال: "أنا هنا ليس لأرى ماذا صنعت في نابلس، إذا عملت هناك أو لا، إذ مكثت هناك أكثر من المدة المسموح لك بها، إذا تورطت بعمليات غير قانونية. الخ. فهناك من يعمل على ذلك، وظيفتي هي أن أتأكد عما إذا كنت قد تورطت بعمليات إرهابية. ولهذا السبب يجب أن نستعلم عن الأشخاص الذين لك بهم صلة "نحن نعرف بأنك تعرفين خمسة أشخاص، إرهابيين، أسوأ الناس هنا هم أصدقاء حميمين لك. إذا أعطيتينا أسمائهم (علماً بأننا نعرف من هم) سنسمح لك بالدخول، إذا تعاونت معنا، سنساعدك يا ناديا".وبدأت المسرحية... بدأ بالأشخاص الذين وردت أسمائهم في هاتفي النقال، واحد تلو الآخر، كل الأرقام ال163. "من هو/هي، كيف قابلتهم وتعرفت على كل منهم، كيف قابلت ذلك الشخص، هل لا زلت على اتصال به الآن؟" الخ. كل من ورد رقمه في هاتفي النقال (الأرقام ا لفلسطينية والأردنية) تحقق عنها في حاسبه الإلكتروني وظهرت صورة كل منهم فوراً، صورة أنيتا, صورة يسرى صورة سميدة... الخ. المشكلة لم تكن معهم. وفي فترة ما بدأ يسألني عن أشخاص في مخيمي بلاطة وعسكر للاجئين، أناس كان من المفروض باني أعرفهم وكان بانتظار أن اذكرهم. أخبرني بأنه كان يستعلم عني منذ شهور. "لقد حققنا مع الكثيرين ممن تعرفيهم في نابلس, وكل من هؤلاء تتطابق أسمائهم مع خمسة أسماء، وأضاف بأنني على صداقة حميمة معهم. الكثيرين في نابلس يعرفونك يا ناديا، واتصلنا بكل منهم. الآن عليك تبدئي بالكلام"
لا أعرف الأشخاص الذين يستقصون عنهم، كما يمكن أن تتصوروا ذلك. استمر يستقصي عن أسماء أصحاب الأرقام الواردة في لائحتي ووجد اثنين من أسماء الخمسة الذين يبحث عنهم. استمر باستجوابي عن صديق لي لمدة ثلاثة ساعات، وهو بالفعل صديق حميم لي. أراني صورته وصورة شقيقه. وفي ذاكرة الرسائل في هاتفي النقال رسالة منه تتمنى لي التوفيق في رحلتي، وفي آلة التصوير خاصتي صورة لشقيقه الذي زرته منذ يومين في أحد مخيمات الأردن. قلت له أننا أصدقاء, وقلت له متى وأين تقابلنا وماهية الصلة التي بيننا. لم يتوقف سامي عن الاتصال بشخص ما بالهاتف ليسأل عن بعض الأشياء ولللتو كانت تظهر صور لأشخاص على حاسبه أللإلكتروني، ومعظمهم لم يسبق لي أن قابلتهم في حياتي ، حتى وإن ظهرت أرقامهم على هاتفي النقال، ولكني كنت قد رأيت البعض الآخر منهم.
قال لي بأن هؤلاء أسوأ الناس هنا، وهم على صلة بنشاطات إرهابية، فكيف يمكن أن أجهل ذلك إذا كنا أصدقاء؟
أجبت باني لا يجب أن ألام عما يصنعه الغير أو لا يصنعوه، ولا افهم ماذا يتكلم عنه. وكررت كيف تقابلت مع هؤلاء وغيره من الأشياء، ولكنه تابع قائلاً بأني لا أقول الحقيقة وكل الحقيقة فهو يعرف الحقيقة وسوف لن ادخل إلى "إسرائيل" مجدداً إذا لم أتعاون معه بإعطائه المزيد من التفاصيل.
بعدما تفحص هاتفي النقال مجدداً سألني كيف أن من أصل ال163 رقم هناك 13 فقط في الأردن والباقين فلسطينيين. "كيف من الممكن لامرأة مثلك، ذكية، جميلة وجذابة
وليس لها صلات أكثر في الأردن؟ كيف يمكن أن تذهبي يومياً من مكان عملك إلى بيتك يا ناديا، ولا تصنعي شيئاً آخر لأكثر من عام كامل؟ نحن نعرف ذلك، نعرف ما تنوين أن تصنعي، ولماذا تصرين على الدخول إلى "إسرائيل"، لماذا أنت على صلة بهؤلاء الإرهابيين؟ هل طلبوا منك أن تقومي بمهمة ما؟ هل طلبوا منك مالاً؟ هل سألوك إن كنت متزوجة؟ ماذا تنوين أن تفعلي حال دخولك إلى هنا؟؟؟؟ نحن نعرف الحقيقة، ولكننا نريد أن نسمعها منك، ومجدداً، إذا لم تتعاوني معنا فلن نساعدك.
بعد دقائق معدودة دخل الغرفة شخص آخر، عمير، نظر إلي وقال لي، كفي عن الكذب، إنك تخفين شياً ما ونحن نعرف ما هو. أنت على علاقة بأصدقاء وعلاقتك بهم تعني بأنك على علاقة بنشاطاتهم. أنا لا أثق بك ولهذا فلن تدخلي".
وبعدما غادرنا وبقيت لوحدي مع سامي بدأت بالبكاء كطفل فقد أمه، وقلت له أني أريد التوقف عن هذا الاستنطاق... " خلاص" هذا يكفي. أعدني إلى الأردن لأني لا أعرف ماذا تريدون مني، أنا لا صلة لي بشيء تتخيلونه. جلس سامي إلى جانبي وقال لي برفق، "أنت إنسانة لطيفة، أنت امرأة قوية، بإمكاني أن أرى ذلك، إنك مثقفة جداً. لا تقترفي الأخطاء، هذه فرصتك لتقولي الحقيقة. سنساعدك إذا أعطيتنا ثلاثة أسماء أخرى ونحن نعرف بأنك تعرفينها، توقفي عن البكاء. لماذا أنت عصبية؟ لماذا هذا الشيء يعني لك الكثير؟ لا افهم وإن كنت لا أدري، فسو أفكر بأنك ما أفكر بأنك تكونيه.... سوف لن أسمح لك بالدخول لأني سأتحمل المسؤولية عندما تفجرين نفسك في تل أبيب".
واستمر الاستنطاق، نسخ جميع الصور التي بحوزتي، وبدأ يدون اسم كل منهم إلى جانب صورته في حاسبه. ووجد، كما قال، صورة شخص آخر ادعى بأنه إرهابي وقال، "ناديا، يمكن أن تكون يداك نظيفتين، ولكن لو وضع شخص يداه في ماء وسخ، فمع الوقت ستتلوثان، لقد أصبحت يداك سوداوان".
وباختصار، قال لي، "إنك لا تبدين بريئة، وضعك هنا ليس جيداً، لك علاقات قوية بنشاطات مريبة هنا، ولأن هذا العالم لم يعد آمنا لوجود المسلمين (تذكري جيداً كيف أصبح العالم الآن بعد 11 أيلول بسبب المسلمين) أنت خطر أمني كبير على "الإسرائيليين وجميع زوار هذا البلد. "إسرائيل" ديمقراطية، واحدة من أحسن البلدان في العالم، ليس مثل البلدان العربية، ونحن نعمل بجهد لمنع النشاطات الإرهابية هنا ولكنك لا تتعاونين معنا في مهمتنا".
تركني وهو يقول: "سيقرر فريقي الآن ما سنصنع بك، ولكنني لا أعتقد بأننا سنسمح لك بالدخول مجدداً إلى هنا، أنت خطر على نفسك وعلى الآخرين، بإمكانك أن تفعلي ما تريدين، قد تلجئين إلى القضاء. وإذا ما قررت أن تفعلي ذلك فسيكون من دواعي سروري أن أذهب أنا أيضا إلى هناك لأتأكد من أنك سوف لن تعودي إلى هنا مجدداً.
استمر هذا الاستنطاق من الساعة 7:20 صباحاً حتى 4:15 بعد الظهر.
كان القنصل الشيلاني بانتظاري في الطابق الأسفل، وقد سمح لي بالتكلم معه والخروج بحراسة رجال الأمن لأدخن سيجارة. لم أر سامي مجدداً، لم يرجع لإعلامي عن نتائج التحقيق، ولكن قبل أن أنتهي من ذلك أخبر رجال أمن القنصل بأنه سوف لن يسمح لي بدخول "إسرائيل".
طلبوا مني العودة إلى قاعة الاستقبال حيث فتشوني كما فتشوا حقائبي مجدداً ووضعوني على طائرة متوجهة إلي عمان في السابعة مساءً.
أنهي رسالتي لكم قائلة بأني قمت بالأمس جل ما أستطيع القيام به. ولا أعتقد بأن أحداً ما يمكن أن يتحمل مثل ذلك، على أقل تعديل ليس أنا مجدداً، لأني غير معتادة لأعامل كإرهابية. أشعر بالأسف نحو جميع من لهم صلة بي، إنهم يعرفون كل أسمائهم وأرقام هواتفهم، سيتمكنون من التقصي عنهم بسببي، إنها غلطتي. أشعر كأني أسوأ المتعاونين مع العدو في العالم، وأعتقد بأني صنعت الحياة لهم أكثر صعوبة مما هم عليه الآن...
لا أدري متى وأين أصبح كل شيء على هذا المستوى من القذارة. خلال الشهور الثمانية التي قضيتها في فلسطين لم أقم بأي عمل سوى الترجمة، مقابلة الناس، وشرب القهوة معهم، والتقصي عن الحياة في فلسطين من غير أن أصدر الأحكام على أي كان. لن أندم على تعرفي على مثل هؤلاء الناس الرائعين، خصوصا ذلك الإنسان الذي هو بالنسبة للصهاينة من أخطر البشر في الضفة الغربية، ولكني لا أريد أن يصيبه وأي من الآخرين مكروه بسببي. سوف أبقى بعيدة، لا أريد أن أتعاون حتى لا يستمر هذا الظلم الذي يقع عليهم منذ يوم ولادتهم، فقط لأنهم ولدوا في أرضهم فلسطين.
تحياتي للجميع
ناديا
اليوم بعد هذه التجربة الغير إنسانية وقد استعادت ناديا جأشها وقواها النفسية، أجابت على رسالة موجهة إليها:
... لم اعد خائفة. أنى أعرف أنهم كانوا يحاولون اللعب بأعصابي... أرادوا أن يدمروني ويسحقوا صمودي ولكني لن أمكنهم من ذلك، فلست الفريق الأضعف في هذه المهزلة... هم الخائفون والأضعف....
منذ شهور وأنا أحاول الحصول على دعم الحكومة الشيلانية وقد حصلت على ذلك. لقد قدمت الحكومة الشيلانية احتجاجا شديد اللهجة على معاملة السلطات "الإسرائيلية" لي وطردي من البلاد، كما أن أكثر من خمسين نائبا في الشيلي قدموا دعمهم لي واحتجوا على ذلك بشدة. لقد أمضيت شهر في شيلي كنت أعقد فيها الاجتماعات مع المسؤولين بمن فيهم المستشار. المهم أن وزارة الخارجية "الإسرائيلية" أرسلت لي رسالة لتعلمني باني لم أعد ممنوعة ممن الدخول إلى "إسرائيل".
الآن، أنا أعرف الحقيقة.
أرادوا أن يقولبوني حسب مشيئتهم العنصرية... كل ذلك حتى يعذبوني من ناحية ومن الناحية الأخرى ليدعوا بأني على علاقة بإرهابيين، ولهذا السبب كنت أمنع باستمرار من الدخول إلى “إسرائيل” حتى يتمكنوا من محاربتي على الصعيدين الدبلوماسي والسياسي. إنهم يريدون استعمال هذه الذريعة ليصلحوا الضرر الذي ألحقته بسياستهم الخارجية، وعلى أقل تعديل مع الحكومة الشيليانية. أرسلوا لي رسالة ليقنعوني بأن جهودي قد أتت ببعض النتائج المرجوة. وفي الوقت ذاته أعدوا لي فريقاً ليقدم لي "معاملة خاصة". الواضح بأن من يقومون بهذا العمل قد أمروا بذلك من قبل أعلى المراجع السياسية "الإسرائيلية". إنها جريمة. حتى يوحوا بأن ما قاموا به مبرر، إنهم يخترعون التهم ضد الناس. وعلى كل فانا لا علم لي بالتهم التي يلصقونها بهؤلاء الناس. قد تلصق بهم أية تهم، ولكن من له الحق بأن يدينهم بأي تهمة أو جريمة؟ أهو محكمة الجيش "الإسرائيلي" العسكرية؟ ليذهبوا إلى الجحيم! فأكثر من 700,000 فلسطيني أوقفهم واحتجزهم "الإسرائيليون". فكم منهم ثبتت إدانتهم بأي جريمة أو حتى جنحة، حتى ولو أسست على أوامر عسكرية "إسرائيلية" فهي أكثر سوأً من تلك التي كان يستعملها نظام الأبرثايد الأفريقي الجنوبي؟ أنهم من يجب احالتهم الى القضاء. إنهم من ثبتت جريمتهم! الم يسلبوا أرضنا ويقتلعوا أهلنا منها؟
وتحقيقها معها، أنقر (على here أدناه) هنا أيضاً here أدناه.
ناديا حسن عضو في تلاكسكالا، شبكة المترجمين للتنوع اللغوي، اكتب لtlaxcala@laxcala.es زر موقع ناديا بالإسبنيولية.
ترجمه من الإنجليزية: أديب قعوار، عضو تلاكسكالا ، شبكة المترجمين للتعدد اللغوي. يمكن إعادة نشر هذه الترجمة شرط أن يذكر اسم المترجم الشبكة